عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
69
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
يجد الحقّ ؟ قالت يا ذا النون وجدان الحقّ بلا كيف ، ثم أنشأت تقول : إن كنت بالوجد موجودا فلا وجدت * نفسي وجودك إلا بعد موجودى فقلت يا جارية ، ما صدق وجدانك للحقّ ؟ فبكت بكاء شديدا حتى كادت نفسها تفيض ، ثم غشى عليها ، فلما أفاقت نادت تقول : أوّاه أوّاه منك ، ثم أنشأت تقول : فوجدى به وجد بوجد وجوده * ووجد وجود الواجدين لهيب لئن متّ حقا في محبة سيدي * فإنّ المنايا في الفؤاد تطيب ثم صاحت صيحة وقالت : هكذا يموت الصادقون ، وغشى عليها ساعة ، فحركتها فإذا هي ميتة ، فطلبت شيئا أحفر لها به قبرا ، فإذا هي قد غيبت عنى ، فلم أجدها رحمة اللّه عليها . ( الحكاية الثانية والثلاثون : عن الفضيل بن عياض رضي اللّه تعالى عنه ) قال : مكثت في جامع الكوفة ثلاثة أيام ، لم أطعم طعاما ولم أشرب شرابا ، فلما كان اليوم الرابع هزلنى الجوع ، فبينما أنا جالس ، إذ دخل علىّ من باب المسجد رجل مجنون وبيده حجر كبير ، وفي عنقه غلّ ثقيل ، والصبيان من ورائه ، فجعل يجول في المسجد حتى إذا حاذانى جعل يتفرّس فىّ ، ففزعت في نفسي منه ، فقلت إلهي وسيدي ، أجعتنى وسلطت علىّ من يقتلني ؟ فالتفت إلىّ وقال : محلّ نبات الصبر فيك غريزة * فياليت شعري هل لصبرك آخر قال الفضيل : فزال عنى جزعي ، وطار عنى هلعى ، وقلت : يا سيدي لولا الرجاء لم أصبر ، قال : فأين مستقرّ الرجاء منك ؟ قلت بحيث مستقرّ هموم العارفين ، قال : أحسنت واللّه يا فضيل ، إنها لقلوب الهموم عمرانها ، والأحزان أوطانها ، عرفته فاستأنست به وارتحلت إليه ؛ فعقولهم صحيحة ، وقلوبهم غارقة ، بالأنوار مشرقة ، وأرواحهم بالملكوت الأعلى معلقة ، ثم ولى وأنشأ يقول : فهام ولىّ اللّه في القفر سائحا * وحطت على سير القدوم رواحله فعاد بخير قد جرى في ضميره * تذوب به أحشاؤه ومفاصله